تخيل أن جهاز الكمبيوتر الخاص بك يدون يومياته – تمامًا كتلك اليوميات التي اعتاد الأطفال كتابتها لتسجيل تفاصيل أنشطتهم اليومية، أو كالدفاتر التي دون فيها الرحالة والتجار والنبلاء أسفارهم وأخبارهم قبل قرون من الزمان. وهكذا قد تبدو هذه اليوميات.
الإثنين، 7 سبتمبر.
- 8:00 صباحًا. قرأ المستخدم الأخبار على cnn.com وbbc.co.uk (مستعرض Safari).
- 8:10 صباحًا. رد المستخدم على رسالة البريد الإلكتروني من جون كوفمان بشأن مواعيد التسليم، ثم أرسل السؤال نفسه إلى فريق الدعم اللوجستي (Gmail).
- 8:20 صباحًا. تحقّق المستخدم من قائمة مهامه، وراجع آخر التحديثات، وخطط لأولويات اليوم (Todo).
نحن لا نبالغ إطلاقًا. وهذا بالضبط ما تبدو عليه يوميات جهاز Mac الجديدة. وهي عبارة عن مجموعة من الملفات النصية التي يمكن لأي تطبيق على جهاز الكمبيوتر الخاص بك قراءتها – تمامًا كما يستطيع ذلك أي شخص يجلس أمام لوحة المفاتيح. وتسمى الميزة المسؤولة عن ذلك Computer History (سجل الكمبيوتر)، وقد أطلقتها شركة OpenAI في منتصف شهر أغسطس. وفي الوقت الحالي، تعمل هذه الميزة حصريًا عبر تطبيق ChatGPT لجهاز Mac، وتتطلب اشتراكًا احترافيًا أو أعلى، كما أنها معطلة افتراضيًا. ووفقًا لمطوريها، تكمن الفكرة وراء ميزة “History” (السجل) في إتاحة الفرصة للمساعد الذكي للإلمام بسياق عملك بسرعة، مما يمكّنه من الاستجابة حتى للطلبات المبهمة، مثل “أرسل تذكيرًا إلى الشخص الذي كنت أراسله بالبريد الإلكتروني بشأن شحنات الأسبوع الماضي”. وبالطبع، هناك ثمن لهذه الراحة، يتراوح بين معالجة بياناتك على خوادم OpenAI، ومخاطر تسريبها من جهاز Mac الخاص بك – سواء إلى إلى أحد أفراد الأسرة الفضوليين أو مباشرة إلى أيدي مجرمي الإنترنت.
كيف تعمل ميزة Computer History (سجل الكمبيوتر) في ChatGPT
إن بدا هذا شبيهًا جدًا بميزة “Recall” المماثلة من Microsoft، أو ميزة “Chronicle” التي أعلنت عنها OpenAI نفسها سابقًا، فذلك ليس من قبيل الصدفة. وقد صُمم كلاهما للغاية ذاتها، لكن بأساليب مختلفة. بعد مشاهدة برنامج Recall وهو يتحول إلى كارثة علاقات عامة، قرر الفريق الذي يقف وراء ميزة Computer History العدول عن التقاط لقطات الشاشة وتحليلها باستمرار. وبدلاً من ذلك ، يعتمد ChatGPT على ميزات إمكانية الوصول في نظام التشغيل macOS لقراءة النص المعروض على شاشتك وتتبع إجراءاتك: النقرات بالماوس، والنصوص التي تُكتب في الحقول، والتبديل بين التطبيقات، وما شابه ذلك. يتم تخزين كل هذا في شكل تدفق من بيانات النشاط الأولية داخل حاوية ChatGPT (مجموعة التطبيقات)، وهي مساحة لا يستطيع الوصول إليها سوى تطبيق ChatGPT نفسه، أو التطبيقات الأخرى التي منحتها إذنًا صريحًا بذلك. وفي اختبارات أجراها باحثون في الأدلة الجنائية الرقمية، أدى مجرد ساعتين من الاستخدام المعتاد لجهاز الكمبيوتر إلى توليد قرابة 3500 حدث من هذه الأحداث المسجلة.
تظل هذه البيانات الأولية مخزنة على جهاز الكمبيوتر الخاص بك لمدة تصل إلى 48 ساعة. وخلال هذه الفترة، يقوم تطبيق ChatGPT بتشغيل جلسات محادثة سرية من وراء الكواليس بشكل دوري، يطلب فيها من الذكاء الاصطناعي تلخيص الأحداث المترابطة في موجز واحد. وتُحفظ هذه الملخصات — التي تشبه فعليًا مذكرات يومية —كملفات نصية عادية في مجلد يمكن لأي تطبيق على جهاز Mac الوصول إليه: ~/.codex/memories/extensions/skysight/.
عندما تدردش مع المساعد، أو عند تنشيط ميزات مؤتمتة بعينها، يمكن استدعاء هذه الملاحظات ضمن المحادثة لتقديم ردود أكثر إدراكًا للسياق. وتحرص OpenAI بشكل خاص على الإشارة إلى قدرة المساعد على رصد الأنماط المتكررة في مهام عملك واقتراح أتمتتها، مما ينشئ ما تطلق عليه “مهارات” تُحاكي إجراءاتك نيابةً عنك.
بمجرد أن يصبح الملخص جاهزًا، تُحذف بيانات النشاط الأولية التي استند إليها. وتؤكد شركة OpenAI أنها لن تحتفظ بتلك المحادثات الخفية التي تجري في الخلفية أو تستخدمها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، باستثناء الحالات التي يقتضيها القانون. ومع ذلك، فإن الملخصات الشبيهة بالمذكرات اليومية والتي تُستدعى إلى محادثاتك، تُخزن على خوادم OpenAI وفق القواعد ذاتها التي تحكم محادثاتك العادية وذاكرة المساعد، مما يعني أن إعدادات الخصوصية السابقة التي حددتها ستسري عليها أيضًا.
ما الذي تستطيع ميزة “Computer History” (سجل الكمبيوتر) رؤيته وما يمكنك إيقاف تشغيله
نظرًا لأن الميزة بأكملها تعتمد على أدوات إمكانية الوصول، فإن ChatGPT لا يلتقط سوى ما يسمح نظام تشغيلك بمشاركته بالفعل مع تلك الأدوات. ويشمل ذلك عناوين النوافذ، والفقرات النصية، والوصف المصاحب للصور في المستعرض، والنصوص التي تُدخلها في أي حقل لحظة كتابتها، بالإضافة إلى أسماء عناصر واجهة الاستخدام التي تنقر عليها. هل تشاهد مقطع فيديو؟ لا يستطيع الذكاء الاصطناعي رؤية محتوى الفيديو نفسه، لكن يمكنه قراءة عنوان النافذة واسم الموقع ووصف الفيديو. هل تتصفح الصور؟ سيرى أسماء الملفات والمجلدات فقط، دون الصور الفعلية. ولا يتم تسجيل الصوت أو حفظه تحت أي ظرف. وكل ما يُسجّل من مكالمات الفيديو يقتصر على عنوان نافذة الاجتماع، ما لم تكن ميزة النسخ النصي التلقائي مفعلة أثناء المكالمة. علاوة على ذلك، لا يمكن قراءة حقول كلمات المرور المموّهة (التي تظهر على شكل نقاط)، وتؤكد شركة OpenAI أن نوافذ التصفح الخاص لا تخضع للمسح مطلقًا.
ما يُميّز هذه الميزة عن أداة Microsoft Recall هو وجود خطوات واضحة ومفصلة يتعين على المستخدم اتباعها بنفسه لتفعيلها. ولا يمكن لميزة Computer History أن تعمل تلقائيًا بأي حال. ويجب عليك الانتقال إلى قائمة الإعدادات، ثم Integrations → Computer History وتشغيلها يدويًا بعد قراءة التحذيرات والتوضيحات. ويشترط عمل هذه الميزة تفعيل صلاحية الوصول إلى ذاكرة المساعد الذكي أولاً. وبعد ذلك، يمكنك تحديد التطبيقات ومواقع الويب التي ترغب في تتبّعها، مع تأكيد سلسلة من طلبات الأذونات الخاصة بنظام macOS.
بالنسبة للشركات المشتركة في باقات الأعمال، يتطلب هذا الإجراء موافقة على مستويين: إذ يتعين على المسؤول أولاً تفعيل ميزة Computer History على مستوى المؤسسة بالكامل، ثم يقوم كل موظف بعد ذلك بتشغيلها بنفسه وبشكل فردي.
في أي وقت، يمكنك الانتقال إلى Computer History ← Permissions، وإما إدراج تطبيقات ومواقع محددة لاستثنائها من التتبع، أو على العكس من ذلك، ضبط ChatGPT لمراقبة قائمة محدودة تختارها بنفسك عبر خياري (Include only these apps أو Include only these websites).
للاطلاع على ما تبدو عليه يوميات الكمبيوتر الخاص بك، تحقق Computer History → History. ومن هناك، يمكنك حذف مدخلات بعينها أو إيقاف تتبع تطبيقات محددة مباشرةً من القائمة.
مخاطر استخدام ميزة Computer History في ChatGPT
كنا قد تناولنا مخاطر التخزين المركزي لكامل نشاط المستخدم في مقالنا السابق عن Microsoft Recall، وتنطبق معظم النقاط التي أشرنا إليها هناك على ميزة Computer History في ChatGPT.
- قد تفترض أن محادثاتك ورسائل بريدك الإلكتروني تتمتع بالخصوصية بفضل حمايتها بكلمات المرور والتشفير، إلا أن نسخة من أهم أجزاء تلك المحادثات تظل محفوظة في ملفات نصية عادية يمكن لأي شخص يملك حق الوصول إلى الكمبيوتر الخاص بك، وللعديد من التطبيقات الأخرى، فتحها والاطلاع عليها.
- لا يعلم الأشخاص الذين تراسلهم بوجود هذه النسخة الإضافية على الإطلاق. ولو افترضنا أنهم فعّلوا ميزة الرسائل ذاتية الاختفاء، لكن نافذة تطبيق المراسلة نفسها لم تكن مصنفة كنافذة خاصة، فلن يجديهم هذا الإجراء الوقائي نفعًا في حمايتهم.
- حتى وإن وضعت ثقتك المطلقة في OpenAI وأخذت تعهداتها بشأن الخصوصية على محمل الجد، فإن بياناتك تظل عرضة للسرقة مباشرةً من جهازك عبر برامج سرقة المعلومات. ولم يعد هذا الخطر مجرد احتمال نظري، فقد شهدت البرامج الخبيثة التي تستهدف أجهزة Mac طفرة هائلة على مدار العامين الماضيين. كما أن مطوري هذا النوع من البرمجيات الضارة يتحركون بسرعة فائقة، ويحدثون أدواتهم باستمرار لاقتناص أي نمط جديد من البيانات يبدو واعدًا ومفيدًا لهم. وهنا تمثل ملفات OpenAI صيدًا ثمينًا وكنزًا حقيقيًا بالنسبة لهم: كل ما فعلته بات ملخصًا وجاهزًا بواسطة الذكاء الاصطناعي في صيغة سهلة القراءة. ورغم خلو هذه الملفات من كلمات المرور أو أرقام البطاقات الائتمانية، فإن التفاصيل المتاحة داخلها تكفي تمامًا لحبك رسالة تصيد احتيالي مقنعة وموجهة، تتظاهر بأنها بريد عاجل من رئيسك في العمل.
- إذا وقع جهازك بين يدي زميل فضولي في العمل أو أحد أفراد العائلة، فلن يستغرق الأمر منه سوى خمس دقائق فحسب للاطلاع على دفتر يوميات يوثق تفاصيل عملك وحياتك بالكامل.
ميزة Computer History: هل توقف تشغيلها أم تكتفي بتكوين إعداداتها؟
نوصي بتقييد ميزة “Computer History” أو إيقاف تشغيلها بالكامل إذا كان عملك ينطوي على معلومات حساسة. وينطبق هذا بشكل خاص على الأطباء والمحامين وأي شخص آخر ملزم بالسرية المهنية، أو يتعامل مع بيانات شخصية أو طبية. وينطبق الأمر نفسه على كل من يعيش مع أحد أفراد الأسرة ممن يميلون إلى فرض سيطرة مفرطة، أو يعمل في مكتب يضم زملاء فضوليين.
أما إذا لم تكن أيٌ من تلك الحالات تنطبق عليك، وترغب في تجربة مدى فاعلية بحث الذكاء الاصطناعي وما ينشئه تلقائيًا من مهارات، فإليك كيفية ضبط الإعدادات بأمان.
- أمّن تسجيل الدخول إلى جهاز Mac الخاص بك. أوقف تشغيل ميزة تسجيل الدخول التلقائي، واضبط الجهاز ليطلب كلمة المرور فور بدء تشغيل شاشة التوقف أو الاستيقاظ من وضع السكون. استخدم كلمة مرور قوية إلى جانب ميزة Touch ID، وتأكد من تفعيل تشفير القرص عبر أداة FileVault.
- قم بإعداد استثناءاتك. أضف كل تطبيق مراسلة تستخدمه للمحادثات الخاصة إلى قائمة الاستثناءات في ميزة Computer History، إلى جانب أي تطبيقات أو مواقع مالية ومصرفية، وأي مكان آخر تحتفظ فيه بمعلومات حساسة.
- راجع السجلات بانتظام. ادخل إلى إعدادات Computer History مرتين أسبوعيًا على الأقل لمعاينة التطبيقات والمواقع التي خضعت للتتبع. ويساعدك ذلك على رصد وحذف أي مصادر للمعلومات الخاصة كنت قد نسيت استثناءها في البداية.
مهما كانت طريقة ضبطك لإعدادات ميزة Computer History، فإن الطريقتين الأكثر شيوعًا لوقوع بياناتك في الأيدي الخطأ — على أي جهاز Mac — هما استيلاء برامج سرقة المعلومات عليها مباشرةً من الكمبيوتر الخاص بك، أو إدخالك لبياناتك الشخصية داخل موقع ويب مزيف. وللحماية من كلا التهديدين، احرص على تشغيل برنامج أمان متكامل المزايا على جهاز Mac، مثل Kaspersky لنظام التشغيل MacOS.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفرز مخاطر تمس الخصوصية قد لا تخطر لك على بال للبحث عنها. ويمكنك الاطلاع على المزيد من هذه المخاطر عبر مقالاتنا الأخرى:
- الهجمات على Gemini: الاحتمالات لا حصر لها
- لماذا يحتاج وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى ستار حديدي؟
- السكاكين والانحرافات والأسلحة: ما الرسائل الحقيقية التي تبثها ألعاب الذكاء الاصطناعي للأطفال
- الذكاء الاصطناعي والواقع الجديد للابتزاز الجنسي عبر الإنترنت
وإذا كنت تود معرفة كيفية إيقاف تشغيل ميزات الذكاء الاصطناعي التي تنشط على الكمبيوتر الخاص بك أو هاتفك الذكي دون علمك، يمكنك الاطلاع على دليلنا: قطع الاتصال: كيفية تعطيل الذكاء الاصطناعي على جهاز الكمبيوتر والهاتف الذكي.
ChatGPT
النصائح