منذ فترة وجيزة، بدأت شركات عديدة في دمج وكلاء الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة ضمن طيف واسع من مسارات العمل. وسرعان ما غدت تكلفة استخدامهم قضية ملحة تؤرق الشركات. بل إن الأمر لم يعد مقتصرًا على الإدارة المالية وحدها؛ فإلى جانب المخاوف المتعلقة بالميزانية، طفت على السطح إشكاليات تتعلق بالموثوقية، والاستقرار التشغيلي، وحتى أمان المعلومات. ويعود ذلك إلى أن تكلفة أتمتة العملية نفسها تتباين تباينًا ملحوظًا بين بيئة تشغيل وأخرى، فضلًا عن صعوبة التنبؤ بها وقابليتها للتأثر بعوامل خارجية.
علاوة على ذلك، يمثل أي مسار عمل مؤتمت بالذكاء الاصطناعي وعرضة للتأثير الخارجي هدفًا مثاليًا لأي مهاجم يسعى لشن “نوع جديد من هجمات حجب الخدمة (DDoS)”. ويمكن استغلال تقارير أخطاء التطبيقات، أو تقييمات المنتجات، أو طلبات الدعم الفني (شأنها شأن أي بيانات خارجية أخرى تعالجها الشركة عبر الذكاء الاصطناعي) كأداة هجومية تهدف إلى زيادة استهلاك الرموز (Tokens، وهي أجزاء الكلمات التي تمثل وحدة الإدخال والإخراج الأساسية للنماذج اللغوية الكبيرة).
عام من النمو الهائل… في الفواتير
في عام 2026، تجاوزت شركات كبرى ميزانيات أنظمة الذكاء الاصطناعي لديها بفارق هائل لأول مرة. فقد استنفدت شركة “أوبر” ميزانيتها السنوية بالكامل بحلول شهر أبريل، بينما أخفقت شركة أخرى في وضع حدود قصوى للإنفاق على نموذج “Claude”، لتتكبد 500 مليون دولار في شهر واحد فقط. ورغم أن مزودي خدمات الذكاء الاصطناعي يعلنون بانتظام عن خفض الأسعار وطرح نماذج أكثر كفاءة، إلا أن التحول من روبوتات الدردشة التقليدية إلى الأنظمة الوكيلة التي تعمل باستمرار وبصورة ذاتية أدى إلى مضاعفة استهلاك الرموز مئات أو آلاف المرات. وفي الوقت نفسه، بات نموذج “الاشتراك الثابت بقيمة 20 أو 100 دولار” للشركات ضربًا من الماضي؛ حيث يتجه جميع المزودين الكبار إلى نقل عملائهم من قطاع الأعمال لنظام الفوترة بحسب الاستخدام الفعلي.
نتيجة لذلك، تجد الشركات نفسها أمام معضلة مألوفة تمامًا لقطاعي الاستضافة السحابية والاتصالات الخلوية. ففي غياب أنظمة متخصصة لإدارة ومحاسبة التكاليف، لا تكتشف المؤسسة التكلفة الفعلية لمشروع أو عملية معينة إلا بعد اكتمالها. وفي قطاعي الاتصالات والحوسبة السحابية، حُلّت هذه المشكلة في نهاية المطاف بفضل تطوير أنظمة فوترة متقدمة، بل وبات عملاؤهم يستخدمون المصطلح المتخصص FinOps (عمليات الإدارة المالية السحابية). أما في مضمار الذكاء الاصطناعي، فلا تزال هذه الآليات في مهدها، بل ويزيد من تعقيد حل الأزمة الطبيعةُ الاحتمالية التي يتسم بها الذكاء الاصطناعي التوليدي.
استهلاك غير متوقع للرموز
لفهم سبب الارتفاع المتسارع للتكاليف وصعوبة التنبؤ بها وضبطها، لا بد من استحضار آلية عمل النموذج اللغوي وما يجعله يتحول إلى وكيل ذكاء اصطناعي. فالنموذج عديم الحالة؛ أي إنه لا يحتفظ بأي معلومات بين تفاعل وآخر. وفي كل مرة يشرع فيها الوكيل بتنفيذ خطوته التالية، يجب إعادة إرسال سجل العمل الكامل المتعلق بالمهمة المحددة (السياق) إلى النموذج: من التوجيه الأولي، ومسارات التفكير السابقة، ومحتويات الملفات المقروءة، إلى استجابات الأدوات المستدعاة كلها. ومع كل خطوة إضافية، يزداد هذا “الموجز التراكمي” طولاً، ولا سيما إذا تضمنت المهمة حلقات تكرارية. وإذا أخفقت إحدى الخطوات، أو جاءت الاستجابة مبهمة، أو أعادت إحدى الأدوات رسالة خطأ، فإن الوكيل يعاود المحاولة ببساطة – مما يضخم حجم السياق أكثر فأكثر. وإذا كانت المهمة لا تُنجز بواسطة وكيل منفرد، بل عبر وكلاء متعددين يتقاسمون الأدوار ويتبادلون المخرجات، فإن هذا الحجم يتضاعف بعددهم. ونتيجة لذلك، لا ينمو استهلاك الرموز تدريجيًا، بل يقفز قفزات حادة تجعل من شبه المستحيل التنبؤ به عند انطلاق المهمة.
عند تشغيل جلستين منفصلتين من تفاعل وكيل الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهمة نفسها تمامًا (كتذكرتي دعم فني متطابقتين، أو مهمتين تحليليتين متماثلتين، وما شابه)، قد يتباين عدد الرموز المستهلكة بينهما بشكل ملحوظ – إذ قد يصل الفارق إلى 30 ضعفًا (!). ويعود هذا التباين إلى عدد الخطوات والأخطاء ومحاولات إعادة الإدخال اللازمة لحل المشكلة. لذا، فإن زيادة استهلاك الموارد لا ترتبط بالضرورة بتعقيد المهمة نفسها. وثمة حالات شهيرة علق فيها الذكاء الاصطناعي داخل “حلقة تفكير مفرغة”، وهدر قدرًا غير معقول من الموارد على مهام بالغة البساطة.
تستهلك ثلاثة أجيال من الذكاء الاصطناعي في الأنظمة المؤسسية الموارد بطرق متباينة تمامًا:
- تعلُّم الآلة التقليدي (ML). يعمل هذا النوع عادةً مع البيانات جيدة التنظيم، ولا يتطلب قدرات حوسبية مكثفة، كما أن استهلاك الموارد فيه منخفض ويمكن التنبؤ به؛ لذا فهو يمثل بندًا ماليًا ثابتًا في الميزانية؛
- روبوت الدردشة أو المساعد الذكي القائم على النماذج اللغوية الكبيرة (LLM). يستهلك هذا النوع الرموز، لكن وتيرة الاستهلاك يحددها العنصر البشري: يبدأ الموظف المهمة يدويًا، ثم يُقيّم النتيجة، ويتوقف مؤقتًا. وتتزايد التكلفة طرديًا وبشكل تقريبي مع عدد المستخدمين النشطين، كما يمكن تقديرها تقريبيًا استنادًا إلى عدد تراخيص الاستخدام؛
- وكيل الذكاء الاصطناعي الذاتي (المستقل). يحدد الإنسان الهدف ويتنحى جانبًا، ليتولى النظام بعد ذلك بمفرده اتخاذ القرار بشأن ما يجب فعله وعدد الخطوات اللازمة. ويظل عدّاد التكلفة يسجل باستمرار إلى أن تُعد المهمة منتهية، دون وجود أي سقف للتكلفة يمكن التنبؤ به.
اقتصاد الرموز في الهجمات: حجب المحفظة كوجه جديد لهجمات حجب الخدمة
نظرًا لأن استدعاءات النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) باهظة الثمن مقارنة باستدعاءات البرمجيات القياسية التقليدية، فإن أتمتة المهام المؤسسية الروتينية تنطوي على تكلفة مرتفعة على نحو غير معتاد. على سبيل المثال، تُقدّر مؤسسة “غارتنر” أن حل طلب دعم فني واحد للعملاء باستخدام نموذج لغوي يكلّف قرابة 3 دولارات. ومن السهل تخيل كيف يمكن للمهاجمين إغراق شركة بآلاف الطلبات المعقدة والطويلة المُولدة عبر نموذج لغوي رخيص التكلفة، مما يُلحق بها خسائر مالية جسيمة. وبما أن العملية مؤتمتة، فقد لا يُكتشف هذا السلوك الشاذ على الفور.
إذا علم المهاجم بنوع نظام الوكلاء والنموذج اللغوي الكبير المستخدمَين في أحد مسارات الأعمال، فسيكون بمقدوره شن هجوم أكثر دقة وإلحاق أضرار جسيمة تفوق ذلك بكثير. وقد قدّر معدو دراسة GitInject أن المهاجم القادر على إنشاء بلاغات على منصة GitHub داخل مؤسسة تستعين بوكلاء الذكاء الاصطناعي لتحليل الأخطاء، يمكنه من خلال هجوم واحد فقط (قبل أن تتفعّل آليات الحماية الخاصة بـ GitHub) أن يكبّدها خسائر تصل إلى 111 دولارًا، ويستنزف 400 دقيقة من حصة GitHub Actions في حساب الضحية. وبطبيعة الحال، يمكن تكرار هذا الهجوم مرات لا حصر لها دون أن يتحمل المهاجم أي تكلفة.
أما الخطر الأشد فداحة – رغم صعوبة حصر كلفته بدقة من الناحية المالية – فينجم عن الهجمات التي تستدرج النماذج اللغوية الكبيرة إلى التفكير المفرط. في ورقة بحثية بعنوان OverThink، برهن الباحثون كيف يمكن لمهمة صيغت بكلمات بريئة تمامًا، عند تمريرها إلى النموذج اللغوي، أن تفضي في النهاية إلى نتيجة صحيحة، غير أنها تستهلك خلال المعالجة 46 ضعفًا (!) من الرموز مقارنة بما كان ينبغي استهلاكه. وعلاوة على ذلك، اجتازت جميع المهام التي اختبرها الباحثون عوامل تصفية الحماية الأمنية المطبقة بنجاح.
في الإصدار الجديد من دليل منظمة OWASP لأخطر تهديدات النماذج اللغوية، قفزت هذه القضية إلى صدارة الأولويات بشكل غير مسبوق: صُنف استهلاك الرموز غير المقيد رسميًا تحت الرمز LLM06:2026، ومن بين أنماطه المتعددة، سُلّط الضوء صراحةً على هجوم “حجب المحفظة”، الذي يستنزف ميزانية الضحية المخصصة للنماذج اللغوية الكبيرة.
كيف تتجنب الوقوع ضحية للنوع الجديد من هجمات حجب الخدمة؟
أولاً وقبل كل شيء، ينبغي التخلي عن مبدأ “استخدام الذكاء الاصطناعي لمجرد استخدامه”. وليس من المنطقي إسناد كل مهمة إلى وكلاء ذاتيين. ومن الحكمة إجراء تحليل دوري للجدوى والتكلفة مقابل العائد من استخدام الذكاء الاصطناعي.
بالإضافة إلى ذلك، ينبغي تقييد الصلاحيات وحزمة الأدوات المتاحة لوكيل الذكاء الاصطناعي المستقل. وكلما تضاءل نطاق الإجراءات المتاحة للنظام، زادت كفاءته في إنجاز المهام المحددة، وتقلصت فرصه في تضخيم التكاليف، وتراجعت احتمالية قدرة أي طرف على “التلاعب” به لدفعه نحو استهلاك غير مبرر للرموز.
نوصي أيضًا بوضع قيود صارمة على استهلاك الرموز، وإعداد نظام إشعارات لتنبيه المشرفين البشريين عند تجاوز هذه الحدود. ومن الحكمة تطبيق مستويات متعددة من القيود بالتوازي: مثل تحديد سقف لكل مهمة، وحد أقصى يومي، وما إلى ذلك. كما يجب إرسال التنبيهات المتعلقة بتجاوز الحدود فورًا إلى المتخصص المسؤول عن النظام، ليتسنى له اتخاذ قرار مستنير – سواء بمواصلة العملية أو إيقافها.
تحقق بدقة من البيانات الخارجية غير الموثوقة. أي معلومات يعالجها الذكاء الاصطناعي وتأتي من مصادر خارجية – سواء أكانت طلبات أو استفسارات أو رسائل أو تعليقات، أو حقولاً تقنية متنوعة قادرة على استيعاب نصوص عشوائية (كسجلات DNS ورؤوس HTTP وأسماء الملفات)- لا تقتصر خطورتها على التسبب في هجمات حقن الأوامر فحسب، بل يمكن أن تؤدي أيضًا إلى تضخيم عبء العمل الحسابي عن عمد. ومن الحكمة تقييد أحجام هذه المدخلات ومراقبة العبء التشغيلي الناجم عنها.
احسب تكلفة الوحدة لكل مهمة عمل وقارن فواتير المزود ببياناتك الخاصة. ويمثل حساب التكلفة لكل عملية تحليل، أو لكل طلب، أو لكل فحص، السبيل الوحيد لمعرفة ما تدفع مقابله بدقة، ولاكتشاف أي أخطاء في الفواتير.
الذكاء الاصطناعي
النصائح